السيد كمال الحيدري
381
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً « 1 » إذ نسبت الآية دعوة الطير كي تحيى مجدّداً إلى إبراهيم عليه السلام وليس إلى الله جلّ جلاله . على أنّ المسألة لا تقتصر على هذه الآيات وحدها في نسبة نحو من التصرّف والتدبير في هذا العالم إلى الملائكة والجنّ والأنبياء والصالحين وغيرهم بل تتعدّاها إلى آيات أخر ، ممّا يركّز التعارض الذي صاغه الفخر الرازي في صيغة السؤال التالي : إذا كان الأمر كلّه لله فكيف أثبت لهم هاهنا تدبير الأمر « 2 » ؟ ويقصد بالضمير ( لهم ) الملائكة ؛ على أنّ المسألة لا تقتصر على الملائكة وحدهم كما رأينا . بلغة منطقية : إنّ السالبة الجزئية تناقض الموجبة الكلّية ، فبعد أن ثبت أنّ الله خالق كلّ شئ ، فإنّ إثبات الخلق لأحد غيره يناقض تلك الموجبة الكلّية . وهكذا الأمر بالنسبة إلى الولاية والتدبير وغيرهما ، فحيث ثبت أنّ الله هو الولىّ والتدبير إليه سبحانه ولا مدبِّر سواه ، فإنّ إثبات الولاية أو التدبير لغيره يناقض تلك الموجبة الكلّية ، فيستدعى معالجة التعارض الظاهر بين هاتين الطائفتين من الآيات القرآنية . نظرية التجلّى والظهور لقد حفل الفكر الإسلامي على مستوى البحث العقيدي والقرآنى بالعديد من الوجوه لمعالجة التعارض البادى بين هاتين المجموعتين من الآيات . بيدَ أنّ الكتاب سيعزف عن الإشارة إلى تفاصيلها مكتفياً بوجه يعدّه هو الأرجح في حلّ هذا التهافت البدوي المترائي بين هاتين الفئتين من الآيات . ينطلق الوجه
--> ( 1 ) البقرة : 260 . ( 2 ) ينظر : التفسير الكبير ، مصدر سابق ، ج 31 ، ص 28 .